الرئيسية / Uncategorized / الخميسات بدون سينما ولا مسرح

الخميسات بدون سينما ولا مسرح

مَدينة الخميسات تَغيب فيها قاعة سينمائية، ولا تبَاشر لفنٍ من الفنون يلّوح في سَمائها المُكفهرة والحَزينة والذّابلة.. والوحِيدة لي كانت وكانوا أباءنا كيمّشوا مُترادفين فوق دراجات عادية قاطعين مسافة عشرين كيلومتراً، ويتناوبون على تدوّير عـجلاتها كلما تعِب السائق وشُدت أنفاسه، أو على متن درجات نارية من نوع “مُوبيليت” زرقاء قديمة يصدر مُحركها ضجيجا لا يُحتمل..
هاذ السينما سدّات شحّال هذا؛ وتحولت جنباتها لمَرّابط للحمير والبغال، وملاذاً للمتشردين، ومن خانتهم عدالة السماء وأذلّتهم قوانين الأرض.. وخلفها؛ أشياء أخرى تقع تُهدّد أمن وسلامة وحياة الناس..
يقصد آباءنا السينما منتظرين بفارغ الصبر بداية البث.. لا يلعنون ظلامها الدّامس لأنه يستر نزواتهم كلما لمحوا نصف جسد عارٍ أبيضَ لمُمثلة أمريكية شابة، يوم كانت أفلام رعاة البقر ـ زمن السبعينات ـ هي سيدة الشّاشة الكبيرة..
عناوين كثيرة لأفلام حفظها آباءنا الأميون من على “أفِيشات” تلصق للجدران المقابلة للباب.. “السّهم المَسّموم”.. “التلال الوعرة”.. وغيرها من أفلام كلّينت ايستوّود راعي البقر الذي لا يُقهر، وصاروا يقلدون حركاته كلما حاول أحدهم تثبيت حمارٍ ناشز بالزّريبة.
ويوم يتصادفون مع فيلم ثقافي “كالزّين لي فِيك”؛ فهو يوّم مشهود في تاريخهم .. سيظلّون لأسبوع يتحاكون عنه ويستحضرون استيهامات بطلته لحظة العملية. ولهم في ذلك مآرب كثيرة وحاجاتٍ في نفس يعقوب..
كانت السينما مُتنفسّهم، ومن لم يحظى بالذهاب إليها، كان رجلاً جباناً في نظرهم. فيتعمّدون إثارته بقصّ حكاية الفِيلم وهو يسّمع بتذمر شديد، ويصرّون، مُتعمدين، الوقوف عند مشهد إباحي. يعيدونه على مسّمعه بالتفصيل المُمل، كي ينهض شيطانه من نومه ويُزعجه، يفعلون ذلك دون أن يعلموا بكوّن الشيطان يَكمُن في التفاصيل..
يفعلون ذلك لاستفزّاز مستمعٍ يزدّرد ريقه الناشف، ويُقطب حاجبيه دلالة على انزعاجه..
ذهب كل شيء..
تحولت المدينة لنُزُلٍ قارٍ للشيطان.. الفقر ينهك الناس وتتسّع رقعة الجريمة كأورامٍ سرطانية.. تلك المدينة الهادئة لم تعد كذلك، امتدّت يد لتُشوهها وتَعرض بناتها للبيع.. ما عاد شيء فيها يُفرح.. فقدت هويتها وسط لُجّة تهافت أصحاب المصالح لتشرّيدها.. مدينة مُشردة أُريد لها أن تكون كذلك.. ويخيل إليّ، وربما هي الحقيقة، أن أيّ مسؤول سيتقلّد منصباً بأحد مؤسساتها، يُجبر على تَقديم وعد لأصحاب “الشُّكارة”؛ بأنه سيستمر في دفع المدينة نحو المُنحدر العميق الغَميق.. و تدريجيًا.. مسؤولاً بعد آخر.. عاملاً بعد عامل.. تنزل المدينة للمستنقع وغَرقت..
مدينة جميلة.. قالت لي جدّتي أنها كانت تتجول بأمان بين أزقتها بجلبابها الفضفاض. الناس يبتسمون في وجه بعضهم البعض ويفتحون أبوابهم للزائرين مُرحبين..
قلتُ لها :
ـ كان هذا يحدُث زمان.. حين كانت المدينة مِلكَ أهلها، أما اليوم، قد سُرقت منهم وتحولت لكابوسٍ مُزعج..
الشباب عاطل يلوذ للجدران سانداٍ ظهره عليها، يقتلون الذباب ويعدّون عدّد العربات التي تجرّها بغال نحيلة، ويهرّب للحشيش محاولاً أن ينسى. تُجار الأفيون اللّاحس للعقول يتكاثرون كتجار الدين…. انتشرتْ القوادة كالباعُوض صيفاً.. صبيات صغيرات تحول حلمهن، من وظيفة تحفظ شَرفهُن، لوصيفة جنسية لرجل يملك الجّاه والمال..
أمر محزن.. مُحزن حقاً..
لا تنسوا أن تُخبروا الله بكل شيء يا أهل المدينة.

عن الدولة الجديدة

شاهد أيضاً

العثماني يستعدي وزراء الحكومة لعقد مجلس وزاري مع ملك البلاد

ينعقد يوم الثلاثاء المقبل، مجلس للحكومة برئاسة سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة انعقاد مجلس الحكومة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!