الرئيسية / أخبار / كيف يغير الناس العاديون مدينة الخميسات!

كيف يغير الناس العاديون مدينة الخميسات!

مقال رأي بقلم/محمد ضريف 

إن التغيير المقصود هنا لا يعني بالضرورة أن يكون إيجابيا، ولا يعني أن وراءه فاعلين سياسيين أو مدنيين بل التغيير الذي تركز عليه هذه الورقة، هو ذلك الذي يصنعه الناس العاديون، الذين وسمتهم أدبيات العلوم الاجتماعية ب”المهمشين”، أي أولئك الذين لفظتهم السياسات التنموية من حساباتها، فأصبحوا يخلقون فضاءات للحياة وللعيش بأنفسهم، والتي تكون أحيانا في تعارض مع منطق التحديث السياسي والإداري الذي تنشده الدولة.

يطرح الوضع التنموي البائس الذي تعيشه مدينة الخميسات الكثير من الأسئلة حول هشاشة الخيارات التنموية لصانع القرار المحلي، ومدى انعكاسها على جودة حياة الساكنة التي تتزايد باستمرار، سواء نتيجة التحولات الديمغرافية التي عرفتها المدينة خلال العقود الماضية أو بسبب الهجرة القروية التي أرخت بظلالها على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة بقوة. في ظل هذه السيرورة المعقدة والمركبة من الفشل التنموي بالمدينة-التي يُجمع الكل على واقعها- كيف يعيش الناس العاديون الذين وجدوا أنفسهم خارج حسابات التنمية حياتهم اليومية؟
في الوقت الذي تكتب فيه عشرات الصفحات، والعديد من اللقاءات الرسمية ذات الطابع المؤسساتي وغير المؤسساتي حول الأوضاع التنموية المزرية التي تعيشها المدينة، فإن هناك في الطرف الآخر أناس عاديون، يبحثون عن فرص للحياة خارج أي مراقبة أو تعاقد مع الدولة، فمنهم مثلا الباعة الجائلون، الذين يفترشون الشارع العام، أو الذين يحتلون الملك العام والخاص لعرض سلعهم ومنتجاتهم دون اهتمام بأثر ممارساتهم على البنيان الحضري والجمالي للمدينة.
إن البحث عن فرص للعيش في هذه المدينة، لم يعد يرتبط فقط بالرجال، بل أضحت حتى النساء تخلق فضاءاتها الخاصة، فالكثير منهن أصبح يتعاطى بيع كل أنواع الخبز سواء في عرباتهن المتنقلة أو داخل منازلهن أو على عتباتها، فالمرأة في مدينة الخميسات اكتسحت الفضاء العام الذي طالما احتكره الرجل، فهي اليوم توجد في قلب التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعرفها المدينة؛ وهو ما سيؤثر على الأدوار الكلاسيكية التي رُسمت لها من قبل النزعات “الذكورية” عبر قرون من الزمن والتي أسهمت صيرورة التحديث في إبرازها وتعميقها.
فهذا التغيير الذي يقوده الرجال والنساء العاديون، كثيرا ما يترك هوة كبيرة بين الدولة وبينهم، فهم يحسون بكونهم خارج الحسابات التنموية، وهو ما يعطيهم كل الشرعية لاجتياح الأملاك العمومية بما فيها السيطرة على الشوارع والأزقة لعرض سلعهم وبضائعهم دون اكتراث بالقانون أو أي إحساس أخلاقي اتجاه أصحاب المحلات التجارية الذين هم أكثر تعاقدا مع الدولة منهم، فالكثير من أصحاب هذه المحلات يدخلون وبشكل يومي في شجارات وصراعات معهم، دون اهتمام السلطات بذلك فهي في أحسن الأحوال تكتفي بفك هذه النزاعات دون وضع برامج تنموية قادرة على امتصاص هذه الشريحة الكبيرة داخل المجتمع من براثن الفقر والحاجة.
فهؤلاء الناس الذين يصنعون التغيير في المدينة، ينتمون إلى ما يسميه عالم الاجتماع السياسي الأمريكي “Asef Bayat” بـ “اللاحركة” no movement لأنهم لا تحركهم خلفيات سياسية، أو عضويات داخل جمعيات المجتمع المدني، بل محركهم الوحيد هي لقمة العيش والبحث عن فرص للحياة، في ظل بؤس تنموي يجثم على المدينة بقوة يوما بعد يوم؛ لذلك سيشكل وضعهم في المستقبل قلقا للدولة التي بدأت تستشعر بقوة هذا “الزحف الهادئ” الذي من شأنه أن يقوض كل التراكمات الإصلاحية التي قامت بها السلطات المحلية منذ نشأة المدينة إلى الآن.
إن هذا الزحف الهادئ للناس العاديين على الشوارع والهيمنة على الأملاك العامة والخاصة والذي تغذيه الهجرة القروية من جهة، وانسداد آفاق التنمية بالمدينة من جهة ثانية؛ سيدفع السلطات المحلية في المستقبل إلى التفكير الجدي في محاصرته بحلول وبرامج من شأنها أن تفتح فرصا تنموية لشريحة كبيرة من الناس، لكنها ستبقى حلولا ضعيفة في آفاقها وأبنيتها، مادام النموذج الاقتصادي والتنموي المعتمد يعيد إنتاج نفس البنيات الاجتماعية والاقتصادية.

* باحث في سلك الدكتوراه في علم الاجتماع السياسي

عن الدولة الجديدة

شاهد أيضاً

المشاورات الإنتخابية تفضح عجز الأحزاب

الدولة الحديدة:متابعة أخفقت الأحزاب في استقطاب الكفاءات والأطر، التي فضلت الهجرة إلى الخارج، لغياب الثقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!