الرئيسية / أخبار / بلغازي يكتب:العطش في بلاد المياه المعدنية

بلغازي يكتب:العطش في بلاد المياه المعدنية

يعتبر إقليم الخميسات من الأقاليم التي لم تتمكن من تحقيق التنمية المستدامة والنهوض بالقطاعات الأساسية وتحقيق الرواج الاقتصادي والرقي بالحياة الاجتماعية للسكان ويتضح ذلك جليا من خلال ضعف البنيات التحتية والمرافق الأساسية في معظم الجماعات المحلية والمجالات الحضرية وهذا الكلام لا يقوله المواطنون العاديون فقط، بل أصبح يتردد على لسان كبار السياسيين ويتداوله جل المنتخبين بالإقليم، سواء في الاجتماعات الرسمية التي تعقد في العمالة أو حتى على صعيد الجهة ،إذ كلما رغب منتخب في طرح قضية على رئاسة المجلس الإقليمي أو مجلس الجهة أو طلب انجاز مشروع لا بد أن يمتطي هذا السرج ويشير إلى هذه النقطة التي يرى فيها أنها المبرر الوحيد لكسب موافقة رئيس وأعضاء المجلس المعني على اعتبار أن البنيات التحتية تعاني الخصاص على جميع المستويات

وخاصة فيما يرتبط بالماء الشروب في الوسط القروي والكهرباء القروية وفك العزلة عن طريق إحداث المسالك الطرقية ،أما الحديث عن تأهيل القطاعات الأساسية فهذا أمر مستبعد ما دام أن المنتخبين وبعض رجال السلطة يزرعون في أذهان المواطنين أن الإقليم فقير ولا يتوفر على موارد مالية لان اقتصاده منهك القوى ولا سبيل للنهوض به و الرقي بمستوى مردودية قطاعاته الأساسية وبالتالي لا يمكن الاعتماد على المداخيل الذاتية للجماعات المحلية في تحقيق طموحات السكان أو بالأحرى توفير شروط الاستقرار الضرورية من ماء وكهرباء وطرق وحدائق عمومية ومساحات خضراء وعلى هذا الأساس بنيت فكرة تقديم طلبات الحصول على قروض من صندوق التجهيز الجماعي وحظيت بموافقة أم الوزارات التي تثق وتأخذ بعين الاعتبار التقارير التي ترفع إليها ،دون أن تتأكد منها أو تقوم بإجراء خبرة مضادة على تلك التقارير التي غالبا ما تكون مغلوطة ويريد بها منجزوها الحصول على الترقية ،مقابل التغاضي عن الواقع المعاش وهنا تكمن المصيبة والطامة الكبرى .
هذه الاسطوانة التي تتكرر على مسامع كل من يحضر ويتابع اجتماعات مجلسي العمالة والجهة من جمعيات المجتمع المدني وممثلي وسائل الإعلام ورؤساء المصالح الخارجية ، تبدو مقنعة من الناحية الشكلية بالنظر للخصاص الحاد الذي تعانيه الجماعات المحلية على مستوى البنيات التحتية وكذا على مستوى القطاعات الأساسية ، لكن من حيث المضمون وبلا شك فإنها تحمل في طياتها مكرا وخداعا لا يطاق لأنها مبررات واهية ،الغرض منها تمويه الرأي العام المحلي والوطني وتغليطه حتى يثق المواطنون بان إقليم الخميسات فعلا من الأقاليم الفقيرة التي لا تتوفر على الموارد المالية الكافية لتأهيله وجعله قطبا اقتصاديا يستهوي كبار الشركات ورجال الأعمال والمستثمرين .
كلا إن فقر الإقليم لا يكمن في الموارد الطبيعية أو البشرية وإنما هو فقر في العقليات التي كرست فكرة جفاف مناخ الأعمال ومشكلته في الذين يستحوذون على خيراته والمنتخبين الذين لا يرون في الوصول إلى كراسي المسؤولية إلا فرصة لتحقيق اكبر قدر ممكن من الربح المادي والمعنوي عوض الترافع على القضايا الكبرى للإقليم والمطالبة بنصيبه من الثروات التي يزخر بها في إطار حق الانتفاع لأنه من الأقاليم الغنية بمواردها الطبيعية والبشرية ويتوفر على ما لا تتوفر عليه باقي العمالات والأقاليم التي عرفت نهضة اقتصادية واجتماعية لا نظير لها ، فهو يحتضن اكبر مجال غابوي لأشجار الفلين في شمال إفريقيا بمنطقة المعمورة ومساحات واسعة من الغابات المتنوعة الغطاء النباتي بدائرة تيفلت و بدائرة والماس التي تحتضن كذلك اكبر خزان من المياه المعدنية الطبيعية بجماعتي والماس وبوقشمير بالإضافة سد بحيرة القنصرة الذي يزود الإقليم ومناطقه المجاورة بالماء الصالح للشرب ومحطة لتوليد الكهرباء ناهيك عن مقالع الرمال ومقالع أحجار الرخام ومنجم الحمام أما الحديث عن الموارد البشرية التي يزخر بها الإقليم فلا مجال لمناقشتها في هذا الموضوع ويكفي الإشارة إلى أن هذا الإقليم أعطى من الطاقات البشرية ما لم تعطيه أية منطقة في المغرب بأكمله سواء في القطاع الرياضي اوالثقافي و الفني أو في الطب والصيدلة هذا دون الحديث عن الأطر في الهندسة والإدارة والمقاولة والكل يعرف من هم أبناء وبنات إقليم الخميسات .
والغريب في الأمر انه بالرغم من توفر جماعة الكنزرة على محطة لتوليد الكهرباء وسد القنصرة الذي يزود الإقليم بأكمله بالماء الصالح للشرب منذ سنة 1934 إلا أن هناك ما يفوق 70 أسرة من سكان الجماعة بتعاونية الراشيدية المعروفة محليا ب(الحوض) ، تواجه العطش في عز الصيف حيث يضطرون للانتقال على متن الدواب والجرارات إلى منابع المياه بالدواوير المجاورة التابعة لجماعة عين الجمعة بجهة مكناس لجلب ماء الشرب وتوريد الماشية علما أنهم فلاحون استقروا هناك لممارسة أنشطتهم الفلاحية من زراعة وتربية المواشي وقد يتساءل البعض عن السبب في ذلك ؟الجواب بكل بساطة أن حرمانهم من الماء ناتج عن تصفية حسابات سياسية بطلها مرشح الحركة الشعبية الذي خير الساكنة وممثل دائرتها الانتخابية خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة بين تزويد المنطقة بالماء مقابل التصويت لصالحه أو مواجهة العطش والتصويت على منافسه ،فاختاروا عدم الانبطاح أمام الضغوطات وسلطة المال وهذا الموقف يسجل للتاريخ كما أن رئيس الجماعة بدوره منتمي للحزب المذكور نفسه وبالتالي فهو لا ينفذ إلا تعليمات الناخب الكبير الذي يهدده بالسجن في حال مخالفة أوامره؟ وهذا هو النموذج السائد في السياسة المحلية فإما الامتثال للأوامر والاملاءات أو الإهمال والتهميش ورغم المراسلات المتعددة التي وجهها السكان إلى السلطات المحلية والإقليمية والمكتب الوطني للماء الصالح للشرب إلا أن سلطة المنتخب الكبير تتحدى للجميع ؟
مصدر بالمكتب الوطني للماء الصالح للشرب أكد أن الأخير اعد الدراسة الخاصة بالمشروع قبل سنوات وتشمل 70 أسرة ،إلا أن الجماعة رفضت تمويل المشروع ليس لانعدام الموارد المالية وإنما تصفية حسابات سياسية لا غير لان تكلفة المشروع لا تتعدى 100 مليون سنتيم .
أما في الضفة الأخرى فالعطش مازال يخيم على معظم الدواوير السكنية بكل من والماس وبوقشمير بعد اتفاقية الشراكة التي أبرمتها وزارة الطاقة والمعادن مع شركة سيدي علي اولماس ومن ابرز بنوذها منع حفر الآبار بمنطقة والماس وبوقشمير على مساحة 30 كلمتر مربع أي في جميع الأماكن التي تتوفر فيها المياه المعدنية ما يجعل سكان المنطقة يستعينون بالوديان البعيدة لجلب الماء وتوريد الماشية ولا يسمح لهم بحفر بئر بالقرب من مساكنهم وهذه الاتفاقية أبرمت قبل فصل جماعة بوقشمير عن جماعة والماس بمعنى أن حصة الجماعية من عائدات المياه المعدنية توجه للجماعة الأم والماس وعند فصل جماعة بوقشمير عن والماس ،خلال التقسيم الجماعي الأخير ،بقي الوضع على ماهو عليه أي حرمان بوقشمير من نصيبها من عائدات المياه المعدنية علما أن المنبع الأول للمياه المعدنية يتواجد بالنفوذ الترابي لجماعة بوقشمير وعند اكتشاف منابع جديدة بمنطقة تارميلات التابعة لجماعة والماس قررت الشركة المستغلة إغلاق منبع بوقشمير والاحتفاظ به كاحتياطي حيث قامت بدكه بعشرات الأطنان من الاسمنت .
هذه الاتفاقية انتهت صلاحيتها سنة 2009 ورغم المراسلات التي وجهها المجلس القروي إلى الجهات المختصة في عهد الرئيس محمد اوفطوج قصد إعادة النظر في وضعية الجماعة لتمكينها من نصيبها من عائدات المياه المعدنية على اعتبار أنها تحتضن ضمن نفوذها الترابي أول منبع للمياه المعدنية سيدي علي والماس لم تلقى الاهتمام المطلوب وبقيت دون مجيب لتبقى جماعة بوقشمير محرومة من نصيبها من عائدات المياه وتعد من الجماعات الفقيرة بإقليم الخميسات كما يردد رؤساؤها في كل اجتماع بمقر العمالة أو بالجهة لأنها من الجماعات المعزولة التي تنحصر مواردها المالية في عائدات المجال الغابوي وحصتها من الضريبة على القيمة المضافة .
وهنا يطرح أكثر من سؤال حول ماذا تستفيد جماعة الكنزرة من السد ومحطة توليد الكهرباء وخزان توزيع المياه ؟وماذا تستفيد جماعة بوقشمير من أبار المياه المعدنية المغلقة ؟وأين حقوق ذوي الانتفاع؟ولماذا لم يتحرك البرلمانيون للترافع حول هذه القضايا ؟الم يحن الوقت لإعادة النظر في دفاتر التحملات المتعلقة باستغلال هذه الثروات ؟ ولماذا لم تعمل الشركات المستغلة على تشغيل اليد العاملة المحلية ؟ ولماذا لم توفر البنيات التحتية بمناطق تواجدها وقيامها بأعمال اجتماعية لفائدة الساكنة المجاورة وخاصة في مجالي التعليم والصحة على غرار ما تقدمه إدارة منجم الحمام ؟ إلا يخجل من يدعي أن الإقليم فقير ويحتاج إلى إعانات وقروض؟
إن إقليم الخميسات فعلا إقليم فقير ليس من حيث الموارد الطبيعية أو البشرية وإنما يكمن فقره في النخبة السياسية المتحكمة في تدبير شؤونه والتي لا تتقن إلا لغة الانتقام وتصفية الحسابات ولو على حساب الحاجيات البسيطة للمواطنين المغلوبين على أمرهم و خير دليل على ذلك ما نفذه رئيس المجلس الإقليمي في حق ساكنة الحوض حيث تعمد قطع الماء عن الرضيع والطفل والمرأة والشيخ والعجوز والدجاج والبهائم في إطار سياسة العقاب الجماعي دون ان يسجل اي تدخل للسلطات الإقليمية ،لا لشيء سوى لأنهم رفضوا التصويت لفائدته في الانتخابات البرلمانية ………..وهنا لا يسعنا إلا أن نقول ربنا لا تسلط علينا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا ما دمنا نعيش العطش في بلاد المياه المعدنية …والله المستعان.

عن الدولة الجديدة

شاهد أيضاً

المشاورات الإنتخابية تفضح عجز الأحزاب

الدولة الحديدة:متابعة أخفقت الأحزاب في استقطاب الكفاءات والأطر، التي فضلت الهجرة إلى الخارج، لغياب الثقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!